عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
149
اللباب في علوم الكتاب
الأول المطلّق ثلاثا ، أي : فإن طلّقها الثاني ، وانقضت عدّتها منه ، فلا جناح على الزوج المطلّق ثلاثا ، ولا عليها ؛ أن يتراجعا . وهذا يؤيد قول من قال : إن الرجل إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين ، فتزوجت غيره ، وأصابها ، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد ، أنّها تعود على ما بقي من طلاقها ؛ لأنه سمّى هذا العود بعد الطلاق الثلاث رجعة ، فبعد طلقة وطلقتين أولى بهذا الاسم ، وإذا ثبت هذا الاسم ، كان رجعة ، والرجعية تعود على ما بقي من طلاقها . ويجوز أن يعود عليها ، وعلى الزوج الثاني ، أي : فلا جناح على المرأة ولا على الزوج الثاني ، أن يتراجعا ما دامت عدّتها باقية ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف تلك الجملة المقدّرة ، وهي « وانقضت عدّتها » ، وتكون الآية قد أفادت حكمين ، أحدهما : أنها لا تحلّ للأول ؛ إلّا بعد أن تتزوج بغيره ، والثاني : أنه يجوز أن يراجعها الثاني ، ما دامت عدّتها منه باقية ، ويكون ذلك دفعا لوهم من يتوهّم أنها إذا نكحت غير الأول حلّت للأول فقط ، ولم يكن للثاني عيها رجعة . وهو الذي عوّل عليه سعيد بن المسيّب في أنّ التحليل يحصل بمجرد العقد ؛ لأن الوطء لو كان معتبرا ، لكانت العدة واجبة ، وهذه الآية تدل على سقوط العدّة ؛ لأن « الفاء » في قوله : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » يدلّ على أنّ حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني ، إلّا أنه يجاب بأنّ هذا المخصوص بقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] . قوله : « أَنْ يَتَراجَعا » ، أي : « في أن » ، ففي محلّها القولان المشهوران : قال الفراء : موضعهما نصب بنزع الخافض ، وقال الكسائي ، والخليل : موضعهما خفض بإضمار ، و « عليهما » خبر « لا » ، و « في أن » متعلّق بالاستقرار ، وقد تقدّم أنه لا يجوز أن يكون « عليهما » متعلقا ب « جناح » ، والجارّ الخبر ، لما يلزم من تنوين اسم « لا » ؛ لأنه حينئذ يكون مطوّلا . قوله : « إِنْ ظَنَّا » شرط جوابه محذوف عند سيبويه « 1 » لدلالة ما قبله عليه ، ومتقدّم عند الكوفيين وأبي زيد . والظّنّ هنا على بابه من ترجيح أحد الجانبين ، وهو مقوّ أن الخوف المتقدّم بمعنى الظّنّ . وزعم أبو عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين ، وضعّف هذا القول الزمخشري لوجهين ، أحدهما من جهة اللفظ وهو أنّ « أن » الناصبة لا يعمل فيها يقين ، وإنما ذلك للمشدّدة والمخففة منها ، لا تقول : علمت أنّ يقوم زيد ، إنما تقول : علمت أن يقوم زيد . والثاني من جهة المعنى : فإنّ الإنسان لا يتيقّن ما في الغد وإنما يظنّه ظنا .
--> ( 1 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 448 .